الشيخ محمد رشيد رضا
38
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وبين ما قبلها من وجهين - وجه عام يتعلق بالأسلوب في الطوائف الكثيرة من آيات كل سياق ، ووجه خاص يتعلق ببيان كون مجرمي مكة الماكرين المبين حالهم في الآية الأولى ليسوا الا بعض أفراد العام في الآية التي قبلها ، وهو المقصود أولا بالذات من الاعتبار بتلك القاعدة . ويليها بيان سنة اللّه في المستعدين للايمان والهدى وغير المستعدين مع ظهور الحق في نفسه وهو صراط الرب وجزاء سالكه عند اللّه تعالى قال عز وجل * * * ( وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ) أي وإذا جاءت أولئك المشركين الذين ( أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها ) آية بينة من الآن تتضمن حجة عقلية ظاهرة الدلالة على صدق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فيما جاء به عن ربه من التوحيد والهدى قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل اللّه إلى الأمم قبلنا . قال هذا أكابرهم المجرمون ، ورؤساؤهم الماكرون ، وتبعهم عليه الغوغا المقلدون . قال ابن جرير فيه : يعنون حتى يعطيهم اللّه من المعجزات مثل الذي أعطى موسى من فلق البحر وعيسى من احياء الموتى وابراء الأكمه والأبرص ، وقال ابن كثير أي حتى تأتينا الملائكة من اللّه بالرسالة كما تأتي إلى الرسل كقوله جل وعلا ( وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا ) الآية . فالقول الأول معناه أنهم لا يؤمنون بما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم الا إذا أوتوا على يديه من الآيات الكونية التي يؤيده اللّه بها مثل ما أوفي أولئك الرسل عليهم السّلام . ومعنى القول الآخر أنهم لا يكونون مؤمنين بالرسالة مطلقا الا إذا صاروا رسلا يوحى إليهم وهذا أب إلى قوله تعالى في الرد عليهم ( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ) وإن كان كل من المعنيين صحيحا واقعا . أ « رسالته » ( بالافراد ) ابن كثير وحفص عن نافع وأها الباقون رسالاته ( بالجمع ) أي رسالاته إلى رسله . وهذه الجملة من كلام اللّه تعالى رد عليهم وبيان لجهالتهم ، ينتظره السامع والقارئ بعد حكاية ما تقدم من قولهم ، والوقف قبله تام لأنه آخر قولهم المحكي عنهم قال الحافظ ابن كثير : أي هو أعلم حيث يضع رسالته ومن يصلح لها من خلقه كقوله تعالى ( وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ؟ ) الآية . يعنون لولا نزل هذا الآن على رجل عظيم كبير